محمد بن جرير الطبري

175

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والكهنة والقافة والمنجمة . وذكر بها الذين وصفنا أمرهم من أهل الكتاب سوالف نعمه على آبائهم ، وأياديه عند أسلافهم ، عند إنابتهم إليه ، وإقبالهم إلى طاعته ؛ مستعطفهم بذلك إلى الرشاد ، ومستعتبهم به إلى النجاة ، وحذرهم بالإِصرار والتمادي في البغي والضلال ، حلول العقاب بهم نظير ما أحل بعدوه إبليس ، إذ تمادى في الغي والخسار . قال : وأما تأويل قوله : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا فهو كما : حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : قالوا : سُبْحانَكَ تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره ، تبنا إليك ، لا علم لنا إلا ما علمتنا : تبرءوا منهم من علم الغيب ، إلا ما علمتنا كما علمت آدم . وسبحان مصدر لا تصرف له ، ومعناه : نسبحك كأنهم قالوا : نسبحك تسبيحا ، وننزهك تنزيها ، ونبرئك من أن نعلم شيئا غير ما علمتنا . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قال أبو جعفر : وتأويل ذلك : أنك أنت يا ربنا العليم من غير تعليم بجميع ما قد كان وما وهو كائن ، والعالم للغيوب دون جميع خلقك . وذلك أنهم نفوا عن أنفسهم بقولهم : لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا أن يكون لهم علم إلا ما علمهم ربهم ، وأثبتوا ما نفوا عن أنفسهم من ذلك لربهم بقولهم : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ يعنون بذلك العالم من غير تعليم ، إذ كان من سواك لا يعلم شيئا إلا بتعليم غيره إياه . والحكيم : هو ذو الحكمة . كما حدثني به المثنى ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، العليم : الذي قد كمل في علمه ؛ والحكيم : الذي قد كمل في حكمه وقد قيل : إن معنى الحكيم : الحاكم ، كما أن العليم بمعنى العالم ، والخبير بمعنى الخابر . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال أبو جعفر : إن الله جل ثناؤه عرف ملائكته الذين سألوه أن يجعلهم الخلفاء في الأَرض ووصفوا أنفسهم بطاعته والخضوع لأَمره دون غيرهم الذين يفسدون قيها ويسفكون الدماء ، أنهم من الجهل بمواقع تدبيره ومحل قضائه ، قبل اطلاعه إياهم عليه ، على نحو جهلهم بأسماء الذين عرضهم عليهم ، إذ كان ذلك مما لم يعلمهم فيعلموه ، وأنهم وغيرهم من العباد لا يعلمون من العلم إلا ما علمهم إياه ربهم ، وأنه يخص بما شاء من العلم من شاء من الخلق ويمنعه منهم من شاء كما علم آدم أسماء ما عرض على الملائكة ومنعهم من علمها إلا بعد تعليمه إياهم . فأما تأويل قوله : قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ يقول : أخبر الملائكة . والهاء والميم في قوله : أَنْبِئْهُمْ عائدتان على الملائكة ، وقوله : بِأَسْمائِهِمْ يعني بأسماء الذين عرضهم على الملائكة . والهاء والميم اللتان في " أسمائهم " كناية عن ذكر هؤلاء التي في قوله : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ يقول : فلما أخبر آدم الملائكة بأسماء الذين عرضهم عليهم ، فلم يعرفوا أسماءهم ، وأيقنوا خطأ قيلهم : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ وأنهم قد هفوا في ذلك وقالوا ما لا يعلمون كيفية وقوع قضاء ربهم في ذلك ، لو وقع على ما نطقوا به ، قال لهم ربهم أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والغيب : هو ما غاب عن أبصارهم فلم يعاينوه توبيخا من الله جل ثناؤه لهم بذلك على ما سلف من قيلهم وفرط منهم من خطأ مسألتهم ، كما : حدثنا به محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك عن ابن عباس : قالَ يا آدَمُ